محمد بن أحمد التميمي المقدسي
127
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء
الموجب لذلك الفساد أبخرة حارة يابسة محترقة محرقة تجتذبها الشمس بشدة حرها من بطن الأرض عند استفراغها جذب الرطوبات الماسة المستكنة في الثرى ، وهذا الفساد فهو ضد للفساد الحادث بمصر عند تكامل زيادة نيلها ، وما يعرض لأهلها في مدة شهري هتور وكيهك « 1 » من الأعلال الدموية والرطوبية الممازجة للمرة الصفراء ، وذلك لما يتصاعد إلى الجو من أبخرة المياه الجارية والراكدة حولها وحول كثير من المدن المجاورة للأنهار ومناقع المياه في أوقات المدود ؛ لأن ذلك الفساد يولده تصاعد الأبخرة الرطبة المتصعدة عن المياه الكدرة المغلظة للجو ، وذلك الفساد وإن كان محدثا لكثير من الطواعين والورشكين والأعلال الدموية والرطوبية المركبة مع حرارة المرة الصفراء ويبسها فإنه - وإن كان مخوفا شديد الضرر - فإنه متلف لنفوس الحيوان في ساعة واحدة ، كالذي يفعله تصاعد البخار الناري المحترق الأسود الكدر المظلم المتصاعد من بطن الأرض في شدة حر القيظ . والسبب الموجب له قلة قوة ما تجتذبه الشمس بما تعكسه من حرارة وهج الأثير إلى وجه الأرض في احتدام القيظ من الأبخرة الأرضية وبخاصّ في البراري والمفاوز المتنائية عن المياه ، كمدن الحجاز واليمن وما جاور الإقليم الأول والثاني من البراري والسبل المسلوكة فيها ، كالذي يعرض في أكثر الأوقات / للحاج في طريق مكة وأرض الحجاز من الفساد الحادث في الهواء ، وهو الذي
--> ( 1 ) هتور وكيهك : هما اسمان لشهرين قبطيين يتغيران بالنسبة للشهور الميلادية وفي عام 370 ه ( سنة تأليف المخطوط تقريبا ) كانا يوافقان تشرين الثاني وكانون الأول .